تسارعت وتيرة عسكرة الدولة المصرية بصورة ملحوظة في عهد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، تزامن هذا الشهر مع الذكرى الثالثة عشرة لوقوعه، وفقًا لما يكتبه محمود حسن.
ويرصد موقع ميدل إيست مونيتور تصاعد النفوذ العسكري داخل مؤسسات الدولة المصرية، إذ يواصل ضباط الجيش تولي مناصب وزارية، بينما يزداد نفوذ الجنرالات في تعيينات المحافظين، وتحصل وكالة «مستقبل مصر» المرتبطة بالقوات المسلحة على صلاحيات اقتصادية واسعة، في وقت يرتبط فيه تعيين القضاة والأئمة والمعلمين والموظفين المدنيين بصورة متزايدة بالحصول على موافقة مسبقة من الأكاديمية العسكرية المصرية.
وانقلب السيسي على الرئيس المدني الراحل محمد مرسي، أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيًا، في 3 يوليو 2013. ومنذ ذلك الحين، كثّف تدريجيًا مساعيه لترسيخ وجود المؤسسة العسكرية داخل مؤسسات الحكم والاقتصاد.
مرحلة جديدة من عسكرة الدولة المصرية
تشهد مصر مرحلة غير مسبوقة من عسكرة مؤسسات الدولة، تجلت في سلسلة من القرارات الرئاسية والتشريعية والتنفيذية الأخيرة.
وأقر مجلس النواب المصري قبل أيام مشروع قانون لإعادة تنظيم عمل جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، وهو كيان يرتبط بصورة أساسية بالقوات الجوية المصرية. ويمتلك الجهاز صلاحيات واسعة تشمل التخطيط والتنظيم وإصدار التراخيص وإدارة الأصول والاستثمار والاقتراض.
ولا تزال الصورة الكاملة لحجم المشروعات التي يديرها الجهاز السيادي، الذي يرفع تقاريره مباشرة إلى رئيس الجمهورية، غير معلومة. ولا تخضع سجلاته وحساباته المالية لرقابة عامة، بينما تواصل الدولة تخصيص أراضٍ ومشروعات تنموية كبرى للجهاز عبر الإسناد المباشر بدلًا من المناقصات التنافسية.
وتحت عنوان «ارفعوا أيديكم عن مستقبل مصر»، نشر موقع «مدى مصر» تقريرًا أشار فيه إلى أن مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، تلقى إخطارًا من رئيس تحرير صحيفة «الشروق» الخاصة بعدم نشر مقاله حول مشروع القانون، بسبب تناوله «قضايا حساسة تتعلق بدور القوات المسلحة في الاقتصاد، وهي قضايا يُتوقع من وسائل الإعلام الآن تجنبها».
وفي المقال، الذي نشره لاحقًا موقع «المنصة» المستقل، رأى السيد أن مشروع القانون المقترح «يوسع بصورة كبيرة دور جهاز مستقبل مصر ويمد نطاق سيطرته على موارد الدولة المالية»، مشيرًا إلى أن الجهاز بصيغته الجديدة سيتولى اختصاصات تضطلع بها حاليًا وزارات قائمة، مع تمتعه بصلاحيات أكبر بفضل تبعيته المباشرة لرئيس الجمهورية.
وأصدر السيسي في وقت سابق من الشهر الجاري قرارًا جمهوريًا عيّن بموجبه الفريق أول محمد عبد الرحمن بسيوني، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، رئيسًا للهيئة الوطنية لإدارة الأزمات والكوارث. ويعكس هذا التعيين نمطًا أوسع شهدته السنوات الأخيرة، إذ تتزايد إسنادات المناصب العامة العليا إلى ضباط سابقين في الجيش ومسؤولين ذوي خلفيات أمنية.
وشهدت أحدث حركة لتعيين المحافظين، التي أُعلنت في فبراير، اختيار 14 محافظًا من أصل 27 من بين لواءات الجيش المتقاعدين. كما تضم كل محافظة حاليًا مستشارًا عسكريًا بموجب القانون رقم 165 لسنة 2020، الذي ينص على تعيين مستشار عسكري لكل محافظة.
عسكرة تعيين الأئمة والمعلمين والقضاة
في ظل نظام يرأسه وزير دفاع سابق استبدل بزته العسكرية ببدلة رئاسية، قد لا يبدو مستغربًا إسناد المناصب الحساسة إلى شخصيات مقربة ذات خلفيات عسكرية واستخباراتية. لكن اللافت والمثير للجدل بصورة متزايدة هو امتداد برنامج العسكرة إلى المؤسسات المدنية والدينية والقضائية.
وفتحت وزارة الأوقاف المصرية باب التقديم أمام دفعة ثانية من الأئمة للالتحاق ببرنامج تدريبي في الأكاديمية العسكرية المصرية، وفقًا لإعلان نشره الموقع الرسمي للوزارة. واحتفت الوزارة في يونيو الماضي بتخرج نحو 259 إمامًا وواعظًا من الأكاديمية، وأدوا القسم أمام الرئيس السيسي، في خطوة اعتبرها منتقدون مؤشرًا على عسكرة الخطاب الديني وتحويل أئمة المساجد والوعاظ إلى متحدثين باسم الحكومة.
وأفاد المتحدث العسكري المصري بأن الأكاديمية العسكرية احتفلت العام الماضي أيضًا بتخرج موظفين وفنيين من وزارات النقل والمالية والري، إلى جانب دفعتين جديدتين من المعلمين ومديري المدارس الذين أكملوا برامج تدريبية في الأكاديمية.
وامتد مسار العسكرة كذلك إلى القضاة، إذ شهد يناير الماضي حفل تخرج الدفعة الرابعة من القضاة بعد إكمالهم دورة تدريبية استمرت ستة أشهر في الأكاديمية العسكرية المصرية. وشمل البرنامج محاضرات حول الأمن القومي والشؤون العسكرية، إلى جانب تدريبات على استخدام الأسلحة والتدريبات العسكرية، ما أثار انتقادات واسعة من جانب من رأوا في ذلك مساسًا باستقلال القضاء.
ومن المتوقع أن تتصاعد الانتقادات عقب تقارير أفادت باستبعاد 105 قضاة من استكمال إجراءات تعيينهم في الهيئات القضائية، بعد إخفاقهم في دورات تدريبية واختبارات تأهيلية أجرتها الأكاديمية العسكرية، وفقًا للمنصة الاستقصائية المستقلة «مصدقناش».
وقال المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، ومقره القاهرة، في بيان إن هذه الممارسات «تشكل انتهاكًا للهوية القضائية لأعضاء الهيئات القضائية، وتؤثر بصورة مباشرة في تكوينهم المهني وسلوكهم المستقبلي أثناء توليهم مناصبهم». وأضاف أن هذا النهج يقوض أيضًا مصداقية القضاة وغيرهم من المشاركين في هذه الدورات وسلوكهم المهني.
وحذر مساعد وزير الخارجية المصري السابق والسفير عبد الله الأشعل من أن «عسكرة جميع موظفي الدولة والمدنيين ستعمق الانقسام بين الدولة والمجتمع، وستقوض أكثر ما تبقى من مؤسسات مدنية في مصر».
«كيان» و«الأوكتاجون».. توسيع النفوذ العسكري في مصر
تُدار خطط عسكرة الدولة المصرية بالتوازي على جبهات متعددة. وأعلنت السلطات قبل أيام إطلاق جامعة «كيان» التابعة للقوات المسلحة، لتصبح أول جامعة تعمل تحت مظلة القوات المسلحة المصرية.
ومن المقرر أن تبدأ الجامعة عملها في أكتوبر، على أن تضم في مرحلتها الأولى ست كليات هي الطب وطب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي والهندسة وعلوم الحاسب والذكاء الاصطناعي، وفقًا لتقارير إعلامية مصرية.
وفي 4 يوليو، افتتح السيسي مقر القيادة الاستراتيجية في العاصمة الإدارية الجديدة، المعروف باسم «الأوكتاجون»، بينما كان يرتدي الزي العسكري، في أول ظهور له بالزي العسكري منذ نحو ثماني سنوات. وتجاوزت دلالات المشهد حدود المناسبة الاحتفالية، وحملت أبعادًا سياسية داخلية ودولية.
ويضم «الأوكتاجون»، المقر الجديد لوزارة الدفاع المصرية، ستة مراكز رئيسية، هي مركز البيانات الاستراتيجية الموحدة الذي يضم بيانات مؤسسات الدولة كافة، ومركز التحكم في الشبكة الاستراتيجية المشرف على الجهاز الإداري للدولة، ومركز إدارة وتشغيل منشآت الحكومة المسؤول عن إدارة البنية التحتية للدولة، ومركز التحكم في شبكة الاتصالات، ومركز الطوارئ والسلامة، ومركز التنبؤات الجوية.
ويرى الباحث السياسي محمد جمعة أن مراسم افتتاح «الأوكتاجون» والتصريحات التي أُطلقت خلالها تكشف انفصالًا سياسيًا كاملًا بين السلطات والشعب. ويقول إن جنرالات مصر ينسحبون إلى حصون محصنة يعتقدون أنها ستحميهم من الغضب الشعبي مستقبلًا، وتساعدهم على تجنب مصير نظام الديكتاتور الراحل حسني مبارك الذي أطاحت به انتفاضة عام 2011.
وسبق أن برر السيسي نقل مؤسسات الدولة من القاهرة إلى العاصمة الإدارية الجديدة، التي تقع على مسافة نحو 50 كيلومترًا شرق العاصمة، باعتبار أن الخطوة ستحميها مما وصفه بـ«القوى الشريرة»، في إشارة إلى حصار مباني الحكومة والبرلمان خلال انتفاضة 25 يناير 2011.
تهميش المؤسسات المدنية يهدد مستقبل النظام
قد يمنح اتساع نفوذ المؤسسة العسكرية وهيمنتها المتزايدة على الحياة السياسية والاقتصادية في مصر شعورًا زائفًا بالسيطرة للسلطة في أكثر الدول العربية سكانًا. لكن المحلل السياسي معتز المصري يرى أن تعميق عسكرة الدولة واستمرار القمع وإغلاق المجال السياسي لن يؤدي إلا إلى زيادة احتمالات الفشل.
ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد معدلات الفقر والبطالة، قد تؤدي هذه السياسات في نهاية المطاف إلى تسريع انهيار النظام، بحسب المحلل.
وقال المصري لـ«ميدل إيست مونيتور» إن استمرار تهميش المؤسسات المدنية وإقصاء المدنيين وحرمانهم من أي دور سياسي أو اقتصادي حقيقي يغذي مشاعر العداء المتزايدة تجاه المؤسسة العسكرية والأمنية في مصر.
ويسعى السيسي إلى بناء منظومة شاملة من الولاء لما يصفه منتقدون بـ«جمهورية الضباط»، عبر ترسيخ العقلية العسكرية في مختلف مجالات الحياة العامة، بما يضمن نشأة أجيال مستقبلية موالية لحكمه.
لكن هذه السياسة قد تؤجج في الوقت نفسه شرارات الغضب الشعبي، وتدفع بعض مؤيديه إلى الابتعاد عنه، وتوحد خصومه. وإذا حدث ذلك، فقد يصدق المثل العربي القديم القائل: «انقلب السحر على الساحر»، إذ قد ينقلب النظام الذي بناه السيسي عليه في نهاية المطاف.
https://www.middleeastmonitor.com/20260721-el-sisi-pushes-ahead-with-egypts-militarisation/

